ابن سبعين
81
رسائل ابن سبعين
ظاهر جدّا . يا هذا ! تعلقك بالقديم وإن كان على وجه ما بعيدا وفيه معقول المثلية هو الأكمل وهو الموصل وهو هو فاعلم ذلك ! سقطت مكالمة من كلم غير اللّه عند أهله . وإذا أردت البرهان على ذلك خذ نفسك بإنكاره فإن لم تستطيع فاعلم أن الأمر صحيح . وجميع من قال : وجدت الاستغناء عن اللّه أو رأيت في الوجود غير اللّه قل له : هذا من جهة العادة فقط ، أو من كونك لا تعلم إلا المحسوسات ، أو من كونك توهمت أحوال المؤمن والكافر ، وكونك تقول الضرورة لا يختلف فيها أحد . وأي منفعة للعلم إذا كان اللّه في غاية الوضوح ! وهذا كله محض الأوهام والحرمان . وبعقد هذا كله بصناعة التحليل والتركيب في الشيء الواحد يظهر لك مدلول قولي . لا شيء أغرب عندي من رجل يقول اللّه بلسانه ثم يحرره بقلبه ، ثم يطبقه على توجهه ، ثم يجده في جملته ثم في خارج ذهنه ثم في الجميع من حيث ذلك الإجماع ، ثم من حيث ينزع إليه ، ويفتقر ثم يشعر ويشتغل ، ومع هذا تبدده مع ذلك خطرات نفسانية ووساوس شيطانية ، ومع هذا لا يعلم عنها وبغفلته عن تفقد محاربتها يكون منها أهلا وسهلا بثبوب الهمة على مضافها . وسلام اللّه ورحمته على ذواتها ! بأي دليل أو بأي حجة أو بأي عذر يصح الخروج عن قصد اللّه الصحيح ! وما أحسن روحا يقرأ عقب التفكير في المؤمن إذا نزع الوهم بينه وبين قصده بلسان حاله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] : أي من رضي عنه كانت الترهات تستطاب قبل ظهور الأخرى والأولى ، بل كانت الحكمة العلوية تعطى قبل الإلهية ، بل كانت السعادة تستعظم قبل معرفة التوحيد المعتبر الذي لا تلتفت السعادة معه والموحد في حاله ، فإن ذلك يجر إليه الشرك لكونه يقسم بساطته وإن لم يركبها ، فإذا زال عن ذلك لا أنه زال بمعنى مفهوم كان ، وإنما ذلك مما يشعر به في مدلول حد ورسم ووصف أو في قوة ذلك بل لا شيء إلا محض الوجود . إلى اللّه أشكو أنسي وسروري ! خذ نفسك يا صاحبنا بالتشبه بالجليل ، وعظم سنة الحبيب والخليل ، ولا تتصف بصفة معلل التعليل . سبحان اللّه ، سبحان اللّه ، سبحان اللّه ! ما شاء اللّه كان ! حسبي اللّه ! إيه ! باللّه عليك يا أيها الباحث السالك : ما الذي زادك في عادتك حتى تهت في فلاة هفوتك تيه التالف الهالك ؟ هل ضاقت عليك المسالك ؟ أم جهلت حج حجتك لا حج المناسك ؟ أو خدعك باطل المموه بسيره المنقطع الناسك ؟ بحياتك ، بأي وجه تصرف وجه وصول نعمة النهاية من مقابلة مرآة الهداية ، وتوجهه إلى غير أصول البداية ؟ وبعيشك أخبرني عن بصيرتك : هل جازت على سيرتك ، أم كادت على حاكم سريرتك ؟